يحلل نيك آدامز، الباحث في شؤون الأمن والدفاع، التحول الجذري في طبيعة الحروب الحديثة، موضحًا كيف لم تعد القوة العسكرية التقليدية وحدها كافية لحسم الصراعات، خاصة في ظل ظهور أدوات منخفضة التكلفة تغيّر قواعد اللعبة.

 

يعرض موقع أتلانتيك كاونسل رؤية استراتيجية تؤكد أن الحروب لم تعد مجرد مواجهة بين جيوش قوية وضعيفة، بل أصبحت ساحة تنافس بين الكفاءة الاقتصادية والتكنولوجية، حيث يمكن لأدوات بسيطة أن تستنزف أقوى الجيوش.

 

من “الصدمة والترويع” إلى الاستنزاف الذكي

 

اعتمدت الولايات المتحدة في غزو العراق عام 2003 على مبدأ “الصدمة والترويع”، حيث استخدمت قوة نارية هائلة مدعومة بتكنولوجيا متقدمة مثل القنابل الموجهة والطائرات الشبح. حققت هذه الاستراتيجية تفوقًا سريعًا وحاسمًا في بداية الحرب.

 

لكن يكشف الصراع الحالي مع إيران تحولًا واضحًا؛ إذ تواجه القوات المتقدمة خصمًا يستخدم أدوات غير مكلفة نسبيًا، مثل الطائرات المسيّرة والوسائل السيبرانية، لخلق تأثيرات كبيرة بتكلفة منخفضة.

 

تمنح هذه الأدوات الدول الأضعف قدرة على إرباك خصومها، وتفرض عليهم إنفاق موارد ضخمة لمواجهة تهديدات بسيطة نسبيًا، ما يغيّر ميزان الكلفة والفعالية في ميدان المعركة.

 

سلاح رخيص.. وتأثير مكلف

 

تطوّر إيران قدراتها في مجال الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة، مثل طائرات “شاهد”، وتستخدمها بفعالية في صراعات مختلفة. تخلق هذه الطائرات معضلة استراتيجية: تضطر الولايات المتحدة إلى استخدام أنظمة دفاعية باهظة الثمن لاعتراض تهديدات رخيصة.

 

يعني هذا أن كل هجوم منخفض التكلفة يمكن أن يستنزف موارد هائلة، خاصة إذا تكرر بشكل واسع. كما توسّع الجماعات الحليفة لإيران، مثل الحوثيين أو الميليشيات في العراق، نطاق هذا التهديد عبر استخدام نفس الأدوات.

 

يؤدي هذا النمط إلى توسيع ساحة الصراع جغرافيًا، ويهدد البنية التحتية المدنية مثل منشآت الطاقة، ما يرفع التكلفة الاقتصادية عالميًا، وليس فقط عسكريًا.

 

سباق التكنولوجيا وتحدي التكيّف

 

رغم هذا التحول، تحتفظ الولايات المتحدة وإسرائيل بتفوق واضح في مجالات الابتكار والتكنولوجيا والتمويل. لكن يفرض الواقع الجديد ضرورة تطوير أنظمة أقل تكلفة وأكثر مرونة لمواجهة التهديدات الحديثة.

 

يشير التحليل إلى أهمية استخدام تقنيات مثل الذكاء الاصطناعي، والأنظمة الذاتية، والطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة، لتعزيز الكفاءة الدفاعية. كما يمكن نشر مركبات أرضية ذاتية مزودة بأنظمة مضادة للطائرات المسيّرة لحماية القواعد والمنشآت الحيوية دون استنزاف الموارد.

 

يمتد التفوق الأمريكي أيضًا إلى مجالات البيانات الضخمة والحوسبة، ما يمنحها قدرة أفضل على جمع المعلومات وتحليلها. لكن يتوقف النجاح على قدرة المؤسسات العسكرية على تبني هذه الابتكارات بسرعة وتطبيقها على نطاق واسع.

 

في النهاية، يكشف الصراع مع إيران عن حقيقة جديدة: لم تعد الحروب تُحسم فقط بالقوة، بل بقدرة كل طرف على إدارة التكلفة بذكاء. التكنولوجيا موجودة، والابتكار حاضر، لكن التحدي الحقيقي يكمن في سرعة التكيّف. من يفهم هذه المعادلة أولًا… يملك مفاتيح النصر في حروب المستقبل.

 

https://www.atlanticcouncil.org/blogs/menasource/the-iran-conflict-exposes-the-new-cost-curve-of-war/